ابن عجيبة

174

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وما قيل من أن الكتاب هو اللوح المحفوظ ، وإبانته أنه خطّ فيه ما هو كائن ، لا يساعده إضافة الآيات إليه . والوصف بالهداية والبشارة في قوله : هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي : حال كون تلك الآيات هادية ومبشرة للمؤمنين ، فهما منصوبان على الحال ، من الآيات ، على أنهما مصدران بمعنى الفاعل ؛ للمبالغة ، كأنهما نفس الهداية والبشارة ، والعامل فيها ما في « تلك » من معنى الإشارة ، أو : خبر ، أي : هي هدى وبشرى للمؤمنين خاصة ؛ إذ لا هداية لغيرهم بها . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ؛ يديمون على إقامة فرائضها وسننها ، ويحافظون على خشوعها وإتقانها ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي : يؤدون زكاة أموالهم ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ حق الإيقان . إما من جملة الموصول ، وإما استئناف ، كأنه قيل : هؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق الإيقان ، لا من عداهم ؛ لأن من تحمل مشاق العبادات ، إنما يكون لخوف العقاب ، ورجاء الثواب ، أولا ، ثم عبودية آخرا ، لمن كمل إخلاصه . ثم ذكر ضدهم ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي : لا يصدّقون بها ، وبما فيها من الثواب والعقاب ، زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ الخبيثة ، حيث جعلناها مشتهية للطبع ، محبوبة للنفس ، حتى رأوها حسنة ، كقوله : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً « 1 » ، فَهُمْ يَعْمَهُونَ ؛ يترددون في ضلالتهم . كما يكون حال الضال عن الطريق . أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ؛ أشدّ الناس خسرانا ؛ لأنهم لو آمنوا لكانوا من أكرم الناس ، شهداء على جميع الأمم يوم القيامة ، فخسروا ذلك مع خسران ثواب اللّه والنظر إليه . عائذا باللّه من جميع ذلك . الإشارة : طس : طهر سرك أيها الإنسان ، لتكون من أهل العيان ، طهر سرك من الأغيار لتشاهد سر الأسرار ، وحينئذ تذوق أسرار القرآن والكتاب المبين ، وتصير هداية وبشارة للمؤمنين . فإنّ من قرأ القرآن وعمل به فقد أدرج النبوة بين كتفيه ، كما في الخبر « 2 » . ثم ذكر من امتلأ قلبه بالأكدار فقال : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ . . إلخ ، قال القشيري : أغشيناهم فهم لا يبصرون ، وعمّينا عليهم المسالك ، فهم عن الطريقة المثلى يصدون . أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون ، وفي حيرتهم يترددون . أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ هو أن يجد الألم ولا يجد شهود المبتلى « 3 » ، ولو وجدوه تحمل عنهم ثقله ، بخلاف المؤمنين . ه .

--> ( 1 ) من الآية 8 من سورة فاطر . ( 2 ) جاء ذلك فيما أخرجه الحاكم ، وصححه ، ووافقه الذهبي ( 1 / 552 ) عن عبد اللّه بن عمرو - رضى اللّه عنهما - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه ، غير أنه لا يوحى إليه . . » الحديث . ( 3 ) في القشيري : يجد الآلام ولا يجد التسلّى .